الإشراف في الصحة النفسية: تأملٌ مهني وشراكة إنسانية

 

 

المقدمة

في عالم تتسارع فيه الضغوط وتزداد فيه التحديات النفسية والمهنية، يبرز الإشراف في مجال الصحة النفسية كمساحة آمنة، ومرآة صادقة، ومنصة للنمو، والتجدد. إنه ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل تجربة إنسانية عميقة تُعيد للممارس توازنه، وتُنعش قدرته على العطاء.

ما هو الإشراف في الصحة النفسية؟

الإشراف هو لقاء منتظم بين مشرف وممارس (طبيب نفسي، أخصائي نفسي، معالج، مرشد، ممرض نفسي…)، يُبنى على الثقة، ويهدف إلى دعم الممارس في رحلته المهنية والإنسانية. لا يُستخدم فقط لتحليل الحالات، بل لفتح نوافذ التأمل، ومساءلة الذات، وتفكيك التحديات الأخلاقية والمهنية.

لماذا نحتاج إلى الإشراف؟

لأن من يعتني بالآخرين، يحتاج من يعتني به.

الإشراف في الصحة النفسية لا يُعزز فقط جودة الخدمة المقدمة، بل يحمي الممارس من الإرهاق، ويُعيد إليه صوته الداخلي حين يضيع وسط ضجيج المعاناة اليومية. إنه استثمار في الإنسان قبل أن يكون تقييمًا للأداء.

ما الذي يميّز الإشراف التأملي؟

– تأمل لا تفتيش: لا مكان فيه للأحكام، بل للفضول المهني والتساؤل البنّاء.

– شراكة لا سلطة: المشرف ليس أعلى، بل مرافق في الطريق، يضيء الزوايا المعتمة، ويحتفل بالإنجازات الصغيرة.

– دعم لا ضغط: يُعزز الأمان النفسي، ويُشجع على التعبير عن الأفكار والمشاعر، والتعامل مع التحديات بمرونة ووعي.

الأثر العميق للإشراف

المؤسسات التي تتبنى هذا النوع من الإشراف لا تُطوّر فقط أداء موظفيها، بل تُرسّخ ثقافة إنسانية راقية، تجعل من بيئة العمل مساحة للنمو، لا للاستهلاك.

أما الممارسون الذين يخضعون لإشراف تأملي منتظم، فيصبحون أكثر وعيًا، أكثر اتزانًا، وأكثر قدرة على تقديم خدمة نفسية ذات جودة عالية.

رسالة للمؤسسات

إذا كنتم تؤمنون بأن الإنسان هو رأس المال الحقيقي، فأبدأوا من هنا.

اجعلوا الإشراف التأملي جزءًا من ثقافتكم، لا بندًا في جدول أعمالكم. فالممارس الذي يجد من يُصغي إليه، هو ذاته من سيُحسن الإصغاء للآخرين.

الخاتمة

الإشراف في الصحة النفسية ليس رفاهية، بل ضرورة.

ليس إجراءً، بل علاقة.

ليس تقييمًا، بل تمكين.

إنه وعدٌ بأننا لسنا وحدنا في هذه الرحلة، وأن خلف كل ممارس واعٍ، هناك من يُنصت له، ويؤمن به، ويدعمه ليكون أفضل نسخة من ذاته.

  • المشرف: علاء العلي
  • 18,كانون الأول,2025
  • الإشراف