رحلة فريق: من الفوضى إلى التناغم بمساعدة الإشراف

اسعد الخضر 

(أخصائي نفسي إكلينيكي ومشرف في مجال الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي)

مقدمة: ولادة فريق جديد

دعنا نتعرف على فريق “الأمل”، وهو فريق دعم نفسي اجتماعي تم تشكيله حديثًا. يتكون الفريق من أربعة أعضاء متميزين:

  • سارة: قائدة الفريق، تتمتع بخبرة واسعة في المجال.
  • أحمد: أخصائي نفسي شاب، يمتلئ بالحماس والأفكار الجديدة.
  • ليلى: أخصائية اجتماعية، تركز بشكل كبير على السياق المجتمعي للحالات.
  • كريم: مستشار يميل إلى الأساليب التقليدية والمجربة في العمل.

تم تشكيل هذا الفريق للعمل في سياق مهني صعب ومليء بالتحديات، وهو ما يعرض أعضاءه لخطر الإرهاق الوظيفي والصدمات الثانوية. ولضمان جودة عملهم وتطوير مهاراتهم في التواصل والتعاون، تقرر أن يخضع الفريق لجلسات إشراف منتظمة. يُعرَّف الإشراف بأنه مساحة للتأمل والمشورة المتبادلة، تهدف إلى ضمان وتطوير جودة العمل والتواصل والتعاون في السياقات المهنية، وهو أداة حيوية للوقاية من الإرهاق.

ستأخذنا هذه القصة في رحلة مع فريق “الأمل” عبر المراحل الأربع لتطور المجموعات: التشكيل، والعصف، والاستقرار، والأداء. و سنسلط الضوء على الدور المحوري الذي لعبه الإشراف في مساعدة الفريق على تجاوز التحديات والنمو في كل خطوة على الطريق.

  1. مرحلة التشكيل: البدايات الحذرة (Forming)

في البداية، كانت الأجواء داخل فريق “الأمل” هادئة وحذرة. عكس تفاعلهم الأول الخصائص النموذجية لمرحلة التشكيل:

  • انعدام الأمان والتردد: كان كل عضو غير متأكد من دوره ومن كيفية التفاعل مع الآخرين.
  • الاعتماد على القائدة: كان الجميع ينظر إلى سارة للحصول على التوجيه والإرشاد، معتمدين على خبرتها.
  • تجنب النزاع: حاول كل عضو اكتشاف السلوكيات المقبولة وتجنب أي خلاف محتمل للحفاظ على الانسجام الظاهري.

في أول جلسة إشراف، تم تقديم المشرف الخارجي، وهو خبير محايد وميسّر مهمته الأساسية هي خلق مناخ آمن وداعم. افتتح المشرف الجلسة قائلاً: “مرحباً بكم في هذه المساحة. مهمتي اليوم هي أن أساعدكم على بناء الأساس الذي سيحمل عملكم الهام. لنبدأ بسؤال بسيط: ما الذي يتوقعه كل منكم من هذا الفريق، وما الذي يخشاه؟”

كانت أهم مخرجات الإشراف في هذه المرحلة هي وضع أسس متينة للعمل المشترك، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  • وضع قواعد أساسية: بمساعدة المشرف، اتفق الفريق على مجموعة من قواعد التواصل التي ستحكم جلساتهم، وأهمها: السرية التامة، والاستماع الفعال، والتحدث دائمًا بصيغة “أنا”.
  • توضيح المهام والأدوار: ساعد المشرف كل عضو على فهم دوره ومسؤولياته بشكل أعمق، وكيف يتكامل دوره مع أدوار باقي أعضاء الفريق لتحقيق الهدف المشترك.
  • بناء الثقة: الأهم من ذلك، وفّر الإشراف مساحة آمنة ومحايدة سمحت للأعضاء بالتعبير عن توقعاتهم ومخاوفهم الأولية دون خوف من الحكم عليهم.

لكن هذا الهدوء الأولي كان بمثابة السكون الذي يسبق العاصفة، فالاندماج الحقيقي يتطلب أكثر من مجرد اتفاقات سطحية.

  1. مرحلة العصف: العاصفة التي لا مفر منها (Storming)

لم يدم الهدوء طويلاً. سرعان ما ظهر أول نزاع حقيقي داخل الفريق، وهو ما يميز مرحلة العصف. نشأ خلاف حاد بين أحمد وليلى حول أفضل طريقة للتعامل مع حالة عميل معقدة. اشتعل النقاش فجأة حين قال أحمد بنبرة حادة: “البروتوكول واضح، ليلى. أي انحراف عنه هو مخاطرة غير محسوبة”. فردت ليلى بحزم: “والواقع واضح أيضاً يا أحمد. هذا العميل ليس حالة في كتاب، بل إنسان يعيش في ظروف ستفشل أي بروتوكول يتجاهلها”.

عكس هذا النزاع خصائص المرحلة بوضوح:

  • استقطاب في الآراء: انقسم الفريق بين “طريقة أحمد” المنهجية و”طريقة ليلى” الشمولية.
  • مقاومة القيادة: بدت محاولات سارة لتهدئة الوضع غير فعالة، وشعر بعض الأعضاء بأنها لا تتفهم وجهات نظرهم.
  • ظهور الإحباط والتوتر: أصبح الجو مشحونًا، وبدأ الأعضاء يعبرون عن إحباطهم.

خلال جلسة الإشراف التالية، استخدم المشرف عملية منظمة لإدارة النزاع. بدأ بدعوة كل طرف لوصف النزاع من وجهة نظره دون مقاطعة. بعد أن اتضحت الصورة للجميع، قال المشرف: “شكراً لكما. من الواضح أن كلا الموقفين ينبع من التزام مهني عميق. دعونا الآن ننتقل من ‘ماذا نريد أن نفعل’ إلى ‘ماذا يحتاج كل منا ليشعر بالفعالية والاحترام في هذا الفريق’.”

يوضح الجدول التالي كيف ساعد الإشراف في كشف الاحتياجات الحقيقية الكامنة وراء المواقف المعلنة:

الموقف المعلن (Position) الحاجة الأساسية (Underlying Need)
أحمد: “يجب أن نتبع البروتوكول العلاجي بدقة مع هذه الحالة.” “أحتاج للشعور بالكفاءة المهنية وأن عملنا يستند إلى أفضل الممارسات.”
ليلى: “يجب أن نأخذ السياق الاجتماعي للعميل في الاعتبار أولاً.” “أحتاج للشعور بأننا نحترم الظروف الحقيقية لعملائنا ونقدم دعماً شاملاً.”

لم يقدم الإشراف “حلًا سحرياً”، بل وفّر عملية منظمة سمحت للفريق بفهم أن نزاعهم لم يكن صراعاً شخصياً، بل نابعاً من قيم مهنية عميقة لدى كل منهما. لقد حول الإشراف النزاع من حوار مدمر إلى فرصة للنمو والفهم المتبادل.

ومن بين حطام العاصفة، بدأت تلوح في الأفق إمكانية بناء صرحٍ أكثر قوة وتماسكاً.

  1. مرحلة الاستقرار: بناء الجسور (Norming)

بعد جلسة الإشراف المكثفة التي ساعدتهم على تجاوز النزاع، بدأت ديناميكية فريق “الأمل” تتغير بشكل ملحوظ. دخل الفريق مرحلة الاستقرار، والتي تميزت بالآتي:

  • تطور الدعم المتبادل والتماسك: بدأ الأعضاء في دعم بعضهم البعض بشكل أكبر، وشعروا بأنهم “وحدة واحدة”.
  • صراحة أكبر في التواصل: أصبح تبادل الآراء والمشاعر، حتى الحساسة منها، أكثر انفتاحاً وأماناً.
  • تكوين قواعد وقيم مشتركة: بدأ الفريق في تطوير طرق عمل ومعايير غير مكتوبة خاصة به، مبنية على الاحترام المتبادل.

استغل المشرف هذه المرحلة الإيجابية لمساعدة الفريق على ترسيخ هذا التطور. قال لهم في إحدى الجلسات: “يبدو أنكم بدأتم في تطوير لغة مشتركة. ما رأيكم لو قمنا بترسيخ هذه الروح الإيجابية في شكل ‘ميثاق عمل’ واضح نعود إليه جميعاً؟”. وبمساعدته، صاغ الفريق ميثاقاً جديداً تضمن:

  1. تحديد هدف مشترك: اتفقوا على رؤية موحدة تتجاوز الخلافات الفردية، تركز على تقديم أفضل خدمة ممكنة للعملاء من خلال دمج وجهات نظرهم المختلفة.
  2. توزيع المسؤوليات بمرونة: وضعوا آلية واضحة لتنسيق المهام، مما سمح بمرونة أكبر في تبادل الأدوار حسب متطلبات كل حالة.
  3. آلية لحل الخلافات: اتفقوا على خطوات محددة للتعامل مع أي خلافات مستقبلية، تتضمن الاستماع الفعال والبحث عن الاحتياجات المشتركة بدلاً من التمسك بالمواقف.

كانت هذه الفترة بمثابة “مرحلة الصحوة” للفريق، حيث زادت ثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على مواجهة الصعوبات ككيان واحد متماسك. لقد أصبحوا الآن جاهزين للانطلاق نحو تحقيق أقصى إمكاناتهم.

  1. مرحلة الأداء: تحقيق التناغم (Performing)

وصل فريق “الأمل” الآن إلى مرحلة الأداء، حيث يعملون كآلة متناغمة عالية الكفاءة. في إحدى الحالات الصعبة، كان هدفهم (Purpose) المشترك واضحاً، وشعر كل عضو بالتمكين (Empowerment) للمساهمة بمرونة عالية، معتمدين على علاقات وتواصل (Relationship and communication) قوي يسمح لهم بتبادل الأدوار بسلاسة. تولى أحمد الجانب النفسي، بينما نسقت ليلى مع الموارد المجتمعية، وقدم كريم الدعم الأسري، وأشرفت سارة على العملية بتناغم.

في هذه المرحلة المتقدمة، تغير دور جلسات الإشراف أيضاً. لم تعد تركز على حل النزاعات الداخلية، بل أصبحت منصة لـ:

  • تعزيز جودة الخدمة: مناقشة الحالات بعمق لاستكشاف أساليب مبتكرة وتحسين جودة الدعم المقدم.
  • التأمل المهني: التفكير في الحالات الصعبة والتحديات المهنية بهدف التعلم المستمر.
  • رعاية الموظفين: التركيز على الوقاية من الإرهاق الوظيفي، ومساعدة الفريق على “البقاء على اتصال مع ذواتهم”، و”الحفاظ على الشعور بالجدوى”، و”مواجهة واقع التهديدات والصدمات” بطريقة بناءة.

يمكن تلخيص عوامل نجاح الفريق في هذه المرحلة باستخدام نموذج “PERFORM”:

  • الهدف (Purpose): لديهم هدف واضح وملتزمون به جميعًا.
  • التمكين (Empowerment): يشعر كل عضو بالقدرة على المساهمة والتأثير في قرارات الفريق.
  • العلاقات والتواصل (Relationship and communication): يتواصلون بصراحة واحترام ويدعمون بعضهم البعض.
  • المرونة (Flexibility): يتكيفون بسهولة مع التحديات ويتبادلون الأدوار عند الضرورة.
  • الأداء الأمثل (Optimal performance): يسعون باستمرار لإيجاد أفضل الحلول الممكنة.
  • التقدير (Recognition): يقدرون مساهمات بعضهم البعض ويحتفلون بنجاحاتهم.
  • التحفيز المعنوي (Moral): يحافظون على دافعية عالية وفخر بعملهم المشترك.

إن رحلة الفريق ليست وجهة نهائية، بل هي عملية مستمرة من التعلم والنمو والتكيف.

خاتمة: الدروس المستفادة من الرحلة

لقد تابعنا رحلة فريق “الأمل” من بداياته الحذرة، مروراً بعاصفة الخلافات الحتمية، وصولاً إلى بناء جسور الثقة وتحقيق الأداء المتميز. هذه الرحلة، التي تم تسهيلها ودعمها من خلال الإشراف، تقدم لنا رؤى قيمة حول ديناميكيات الفرق.

يمكننا استخلاص ثلاثة دروس أساسية حول قيمة الإشراف في تطوير الفرق:

  1. الإشراف كحاضنة آمنة: يوفر الإشراف مساحة آمنة ومحايدة لمناقشة القضايا الصعبة، مثل الخلافات والمخاوف، والتي قد يكون من الصعب جداً طرحها في بيئة العمل اليومية المزدحمة بالمهام والضغوط.
  2. تحويل النزاع إلى فرصة: بدلاً من ترك النزاعات تدمر علاقات الفريق، يساعد الإشراف المنظم على تحليل جذورها وتحويل طاقتها المدمرة إلى فرصة للتعلم وتعميق الفهم المتبادل بين الأعضاء.
  3. بناء هيكل للنجاح: لا يقتصر دور الإشراف على حل المشكلات الطارئة، بل يساعد الفرق على بناء قواعد وعمليات واضحة (مثل ميثاق العمل)، محولاً بذلك الروح الإيجابية لمرحلة الاستقرار إلى أعراف وقيم جماعية (Group Norms) راسخة تضمن استمرارية النجاح.

في الختام، قصة فريق “الأمل” تذكرنا بأن التحديات والنزاعات هي جزء طبيعي وصحي من نمو أي فريق. إن السعي للحصول على دعم خارجي من خلال الإشراف ليس علامة ضعف، بل هو علامة قوة ونضج، واستثمار ذكي في نجاح الفريق ورفاهية أعضائه.